يسعدنا ويشرفنا أن نرحب بكم في شبكة مجالس قبيلة عنزة، إذا كانت هذه زيارتكم الأولى للمجالس ، فيرجى التكرم بزيارة صفحة التعليمـــات، بالضغط هنا.
كما يشرفنا أن تقوم بالتسجيل بالضغط هنا إذا رغبت بالمشاركة معنـــا .... وياهلا ومرحباء بالجميع ,,,
وفي شهر إبريل عام 1722م ظهر تأثير الحصار على المدينة وذلك بارتفاع سعر السلع الغذائية, حيث وصل سعر رغيف الخبز أضعاف سعره الطبيعي, وفي 13 من إبريل استولى الأفغان على منطقة باغ هزار جريب (بستان الألف فدان) ونصبوا هناك ثلاث من المدافع الثقيلة التي أحضروها من فرح أباد وفي الخامس عشر من إبريل صدوا هجوماً للفرس على جسر شهرستان , ومع مضي أيام شهر إبريل تزايدت الاعتراضات والفوضى في المدينة , كان سكان المدينة يشتكون من جبن القوات المسلحة وتهربهم من مواجهة الأفغان القليلي العدد, وفي 27 إبريل خرجت مظاهرة كبيرة إلى ساحات المدينة تطالب الجيش والسلطان بالخروج من المدينة لمواجهة الأفغان و أعلنوا في الأخير إنه إذا لم يقدم الجيش على قتال الأفغان فإنهم سيخرجوا من المدينة وينضموا للأفغان .
أما السلطان فكان في حالة سيئة ومشوش الأفكار وفضل أن يبقي أبواب قصره مغلقة لكنه أصدر أمره بقتال الأفغان خارج المدينة.
وفي 30إبريل خرجت من أصفهان قوة مركبة من العرب والإيرانيين تحت قيادة أحمد آغا وهجمت على المنطقة الواقعة شمال غرب المدينة لكن الأفغان كانوا يترصد ونهم, لم تصمد القوة الإيرانية المنهزمة نفسياً والمنهارة معنوياً لهجمة الأفغان فانهزمت بسرعة وتقهقرت بشكل فوضوي وغير منظم حتى لاذت بالمدينة , رجع أحمد آغا المشهور بالشجاعة والبطولة خائباً ومنهزماً للمدينة فواجه شتامة العامة والخاصة
والأدهى أن جنوده الفرس كانوا يطلقون النار من الخلف على الجنود العرب أثناء الانسحاب فاشتكوا لسيد عبدالله الذي بدوره اشتكى للسلطان فقام بعزل أحمد آغا وسحب جميع صلاحياته, لكنه ارجع إلى منصبه فيما بعد.
وفي بداية شهر مايو قدم من الشمال جيش كبير للإيرانيين واقترب من أصفهان وعندما وصل إلى قرية غز التي تبعد عن أصفهان 9 أميال هجم عليه الأفغان وبعد اشتباك خفيف هرب الفرس وتركوا عتادهم غنيمة للأفغان , بعدها بأيام وصل خبر يفيد بقدوم علي مردان والي لرستان بجيش كبير إلى منطقة جل بايجان (جيم مصرية) التي تبعد عن أصفهان 140 ميلاً إلى الشمال , فتشجع أهل أصفهان وأملوا في قدومه الخير, لكن في الثالث عشر من شهر مايو وصل مكتوب علي مردان للسلطان يشتكي فيه من سيد عبدالله ويطالب بعزله وتعينه مكانه, رفض السلطان حسين طلب علي مردان , وفي الثالث من شهر جون وصل أصفهان خبر يفيد أن وختانغ السادس هزم اللغزيين في القوقاز وهو قادم مع 22 ألفاً من عساكره الجورجيين لنجدة أصفهان, لكن مع الوقت تبين أنه كان مجرد إشاعة, فالجورجيون لم يعد يريدوا أن يواجهوا الأفغان خاصةً أ نهم هزموا في جميع المعارك التي خاضوها مع الأفغان وأبيدت لهم جيوش كاملة بقياداتهم مثل جورجين , خسرو ورستم.
وفي اليوم السادس من شهر جون وصل مكتوب أخر من علي مردان يطالب فيه السلطان أن يتنازل عن العرش لصالح إبنه وأن يرسل أبنائه إليه ليقوم بمساعدتهم بتجميع جيش ضخم.
رفض السلطان التنازل عن العرش لكنه أرس ابنه طهماسب (الثالث بين أخوته) في ليلة الثامن من جون خلسة إلى خارج أصفهان ,تمكن طهماسب من الفرار ووصل إلى كاشان.
عندما علم محمود بهروب طهماسب استدعى ابن عمه أشرف قائد الحصار واستجوبه بشدة.
بعد ذلك ضيقت حلقة الحصار ولم يعد بإمكان أحد الخروج من المدينة أو الدخول إليها.
بعد وصوله إلى كاشان ذهب طهماسب إلى قزوين و أخذ يحشد الناس ويجمع العسكر لمناصرة أصفهان.
أما في أصفهان فقد أطلت المجاعة برأسها ونفدت المؤن ولم يعد بإمكان العامة الحصول على رغيف الخبز, و أصبح شبح الموت جوعاً هاجساً يفزع أهل أصفهان ليلاً ونهارا.
ولما اشتدت المجاعة هرع البعض للخروج من المدينة لكنهم كانوا يقتلون أو يقعون أسرى لدى الأفغان فيضطر الآخرون للرجوع للمدينة خائبين.
وفي منتصف شهر جون حل شهر رمضان واستمر حتى منتصف شهر جولاي فأوقف الطرفان العمليات العسكرية واكتفى الأفغان بالحصار, لكن الشاه محمود أمر عساكره بجمع كل ما يقع تحت أيديهم من المؤن ونقلها إلى قلعة فرح أباد , وإذا وجدوا أحداً يخبئ شيئاً منها أن يحرقوها, عندما رأى الفرس ذلك أصابهم اليأس وفقدوا الأمل في النجاة والخلاص.
مع أن القتال كان متوقفاً خلال شهر رمضان إلا أن جيشاً قوامه 8000 ألاف من قبائل بختيار بقيادة قاسم خان وصل إلى مسافة 12 ميلاً من أصفهان حتى وصل إلى قرية نجف أباد لنصرة أهل اصفهان , وكذلك وصل خبر وصول قافلة مؤن كبيرة من جهة الشمال متجهة نحو أصفهان , وكذلك تحرك عشــــــ10000ـــــــــرة مقاتل بقيادة حاكم التون والتبس ملك محمود, مع وصول هذه الأخبار ارتفعت معنويات أهل أصفهان المنهارة, لكن الشاه محمود أرسل فقط أربعــ4000ــة ألاف من مقاتليه لصد البختيار, وقعت المعركة حول نجف أباد , هجم الأفغان كالذئاب المفترسة على قطيع الفرس فهرب البختيار وفروا من ساحة المعركة وتشتتوا, ولما رأى الباقون ما حل بالبختيار فضلوا السلامة على القتال و تراجعوا.
بعد هذه الواقعة وصل علي مردان على رأس قوة من 5000 مقاتل بمعية قافلة كبيرة محمولة بالمؤن الغذائية وعندما وصل قريباً من أصفهان أوقف القافلة وعين عليهم أخاه وأوصاه بالصبر وعدم التحرك حتى يأتي هو بباقي مقاتليه , لكن أخوه الشاب لم يعمل بوصيته وتحرك بالقافلة نحو أصفهان وعندما علم الأفغان بقدومهم تحركوا نحوهم وبعد معركة دموية قتل فيها الكثير من الفرس, تركوا القافلة للأفغان ولاذوا بالفرار, ولكبر القافلة وكثرة الغنائم لم يتمكن الأفغان نقلها دفعة واحدة ,فقاموا بنقل جزء منها والباقي تركوها في مكانها تحت حراسة مقاتلين أفغان, وعندما وصلت القافلة المتحركة قريباً من بلدة بني أصفهان خرج إليها جمع غفير من أهل بني أصفهان واستولوا على القافلة وأسروا عدد من الأفغان وقتلوا الآخرين, كان من بين الأسرى أفراداً من عائلة محمود , منهم أخاه الأصغر و ابن خالته و آخرون.
عندما علم محمود بالأسرى أرسل للسلطان أن يأمر أهل بني أصفهان بعدم التعرض للأسرى وإلا سيقتل جميع الأسرى الفرس لديه, أرسل السلطان رسوله لبني أصفهان لكن قبل وصوله كان قد تم إعدام جميع الأسرى الأفغان ومن ضمنهم أخو محمود وأقاربه, غضب الأفغان من الواقعة وأمر محمود بقتل جميع الأسرى الفرس وبالفعل تم إعدامهم جميعاً.
كما قلنا سابقاً كان السلطان حسين الصفوي قد أخرج إبنه طهماسب إلى خارج أصفهان ليقوم بجمع العساكر وتكوين جيش قوي لمواجهة الأفغان ,قام طهماسب بإيصال رسائل والده إلى الأقاليم فرد الأكراد عليه بالنفي لأنهم في مواجهة مع العثمانيين, وكذلك الداغستانيين رفضوا قيادة طهماسب لهم, لكن البعض أمده بشيء من العسكر وحين وصل إلى قزوين كان معه ثلاثـ30000ـــــون ألف مقاتل وأراد التوجه بهم نحو أصفهان لكن أصدقاءه والمقربون له نهوه عن ذلك وقالوا له أن الشعب الإيراني قد مل من الحروب وخاصة أن أصفهان في مركز الإعصار ولا أحد يريد أن يقترب من الإعصار ولن يستطيع هذا الجيش تقديم المساعدة, علينا أن نجهز جيشاً كبيراً ومؤناً كثيرة حتى نستطيع طرد الأفغان من إيران, خضع طهماسب لرأيهم وأثر البقاء في قزوين وهناك خطب ابنة أحد زعمائها وفي يوم زفافه أستسلم أباه للشاه محمود الأفغاني.
يقول مندوب شركة الهند الشرقية في تقريره المرسل من أصفهان إلى لندن والمؤرخ بتاريخ 6\6\1722 م ويتحدث عن الوضع في إيران:
الذي حدث هنا هو الحرب و تبعاته كالحصار وانتشار المجاعة وانقطاع السبل , لم نكن نتوقع دوام الصعاب وتصاعدها بهذا الشكل المخيف مما جعلنا في وضع مقلق للغاية.
ومن ناحية أخرى نرى والدلايل تشير إلى ذلك بأن مشاكلنا ستزيد وأن الوضع سيزيد سؤاً, وقد تفقد الشركة جميع أملاكها هنا, إن سعر السلع الغذائية ارتفع بشكل خيالي , كان سعر المن (سبع كيلو) من الدقيق ب تومنيين (عملة) قبل الحرب, أما الآن فوصل سعره إلى 50 تومن وكذا ارتفعت أسعار السلع الأخرى إلى درجة أننا بتنا نفقد السيولة النقدية ونضطر لبيع جزء من الأصول وأملاكنا حتى نوفر القليل من الغذاء.
تضييق الحصار وخنق أصفهان
كان الخامس عشر من شهر يوليو هو أخر يوم من رمضان وكما قلت كان القتال متوقفاً خلال الشهر الكريم ولكن بعد انقضائه تجمهر الناس من جديد في أصفهان يطالبون السلطان بمجابهة الأفغان وبعد أن كثر السخط والشغب خرج السلطان من قصره وخاطب المجتمعيين قائلاً : يا عبيدي ماذا حدث حتى تحدثوا كل هذا الضجيج ؟
ماذا تقصدون من وراء كل هذه الفوضى؟
فصاح به المتظاهرون أيها السلطان الغافل نحن نموت من الجوع ولا نرى حلا للخروج من هذه المحنة إلا أن يخرج السلطان من مخدعه ويتقدم نحو ميدان القتال وعندها سنقوم جميعاً بالهجوم على الأفغان , لأن يقتلنا العدو بسيوفه أفضل من أن نموت جوعاً في شوارع أصفهان, بعدها تعالى الصراخ والنحيب وغلب البكاء على الجميع, تأثر السلطان من حالهم وطمئنهم بأنه سيتخذ تدابير الهجوم وأوكل أمرهم إلى سيد عبدالله فأجتمع الناس لدى سيد عبدالله وطلبوا منه أن يتقدم كي يلحقوا به ويهجموا على العدو, لكن سيد عبدالله قال لهم اصبروا أربعة إلى خمسة أيام, لقد أتى مكتوب طهماسب يخبر فيه أنه سيصل بعد خمسة أيام بجيش كبير, عندما يصل سيهجم هو من الخارج ونحن من الداخل وسنقضي على العدو.
استطاع سيد عبدالله أن يفرق الجمع الغاضب و أن يهدئ من غضبهم إلى حين.
رجم قصر السلطان
بعد أيام من وعد سيد عبدالله تجمع حشد غفير حول قصر السلطان حسين و بدأوا بالصياح يقولون ان سيد عبدالله ليست لديه إرادة لقتال الأفغان, على السلطان أن يخرج بنفسه ليقود الجيش ونحن سنفديه بأرواحنا , لكن السلطان لم يخرج لهم فقام الحاضرون برجم قصره والاشتباك مع حراسه وأخذ الوضع يتطور ويزداد خطورة مما حدا بحراس قلعة تبرك أن يطلقوا على الحشد عدة قذائف مدفعية فقتل عدد منهم وتفرق الباقون , بعد هذه الحادثة يأس الناس من السلطان وبدأؤ بالخروج من أصفهان لكن قوات محمود كانت لهم بالمرصاد.
وفي حادثة أخرى نفذ قوت مقاتلي أحمد آغا وعندما راجعوا قائدهم فلما لم يجد ما يسد به جوعهم ويجنبهم الهلاك أمرهم بنهب مطبخ السلطان فاستدعاه السلطان ووبخه وأستوضح منه تجرؤه على نهب طعام السلطان وحرمه, فرد عليه أحمد آغا: جيد أن ينام حرم وندماء السلطان ليلة واحدة خاويي البطون ليتفهموا حال العامة ولعلهم يفيقوا من الغفلة , فتغاضى السلطان عنه.
وعندما خرج أحمد آغا من عند السلطان علم أن عدداً من الجنود معهم مؤن يختبئون في خنادق خارج أصفهان فأتجه فوراً لمقابلة سيد عبدالله لكن سيد عبدالله لم يحبذ الهجوم الفوري لفتح الطريق للجنود المختبئين للوصول لأصفهان, فخرج أحمد آغا دون إذنه عن طريق الحديقة وتقابل مع الأفغان, قتل نتيجة الاشتباك عدد من السادة الفرس والكثير من جنودهم , لم يحرك سيد عبدالله ساكناً ولم يخرج لنصرة قوات أحمد آغا التي رجعت مثخنة ومنهزمة للمدينة, قام السلطان بمعاتبة أحمد آغا وعنفه على خروجه دون إذن سيد عبدالله وتسببه بهلاك عساكره, فرد عليه أحمد آغا أن خان الأهواز عدوٌ, لو أنه قام بنجدة قواتنا لكنا أحضرنا المؤن ولما قتل عساكرنا, لكن السلطان لا يستطيع التميز بين العدو والصديق وأقسم بالله لو يقوم الأفغان بإلقاء السلطان من كرسيه وسحبه من رجليه أمامه أنه لن يتحرك من مكانه, وخرج من عند السلطان غاضباً وفي الليل تناول سماً وانتحر.
بعد ثلاثة أشهر من الحصار نفذت المواد الغذائية في الأسواق والبيوت وبدأ التجار ببيع لحوم الجمال والبغال ثم الحمير وبعد ليال قليلة وصل قيمة الكيلو من لحم الحمار إلى 12 تومن ثم إلى 25 ثم إلى 50 تومن(عملة إيرانية) بعدها لم يعد للحمير وجود في أصفهان فبدأ الناس يأكلون الكلاب و القطط . يقول القس كروسنسكي : خرجت في أحد الأيام من عند السفير الفرنسي لأجد امرأة وقط قد تعالت صراخهما, المرأة تحاول ذبح القط والقط يدافع بمخالبه ا فقمت بمساعدة المرأة في ذبح القط.
بعد أربعة أشهر من الحصار و انقراض الحمير والقطط والكلاب بدأ الناس بأكل لحوم البشر, كان هناك خمسة من القصابين وظفوا لهذا الغرض, رأيت بأم عيني جثث بشرية حديثة في السوق يقوم الناس بقطع اللحم من أفخاذها ليأكلوها.
يضيف كروسنسكي : لم يكن من عادة أهل أصفهان أن يتزودوا بالمؤن ويخزنوها بل كانوا يشترون حاجاتهم اليومية من السوق, لم يفكروا أبداً في الحصار والتحصن في المدينة, كانوا يقولون أنها أزمة عابرة ستطول أياماً أو أسابيع ثم تنجلي, لكن الوضع أخذ يتطور ويتصاعد بشكل دراماتيكي حتى نفذ الطعام بجميع أشكاله فلم يبقى لهم إلا لحوم الموتى من البشر ولحاء الشجر الذي كانوا يقومون بطحنه ثم يستعملونه للأكل, الأربعة أوقيات منه يباع بــ10ـــ تومنات, وكانوا ينتزعون الجلود من الأحذية ويغلونها في الماء حتى تصبح طرية ثم يأكلونها . كانت الشوارع والأسواق مليئة بجثث البشر الذين هلكوا جوعاً . كانت الصبايا والفتيات الحسناوات يطفن الأسواق يحملن مجوهراتهن لكن لا يجدن من يشتريه منهن, كن تصرخن من الجوع وتسقطن صرعى لكن لا أحد يبالي بهن ولا يلتفتون لهن ولا يفكرون حتى بدفنهن, ولكثرة الموتى لم يعد بإمكانهم دفنهم فأمتلئت الشوارع بأجساد البشروإنتشرت روائح الجثث. يقول أن رجلاً من العائلة المالكة قام بشراء ثلاث وجبات بأخر ما يملك فجمع أهله وأخبرهم أن هذا أخر ما يستطيع توفيره لهم وأنه لا يريد أن يراهم صرعى من الجوع في شوارع أصفهان , فقام بوضع سم هندي في الطعام وقدمه لهم وأغلق الأبواب فماتوا جميعاً خلف الأبواب المغلقة. يضيف القس البولندي لكن العجيب إني رأيت رجلاً ضريراً يتسول وقت الحصار وبعد الحصار وجدته حياً يرزق يتسول في شوارع المدينة.
أما منسوبي السفارات والمكاتب الأوروبية فكانوا قد تزودوا بالمؤن واستعدوا للحصار ولما ستؤل إليه الأمور.
قتلى المجاعة في أصفهان كان عدد سكان أصفهان وقتها يبلغ ستمائة وخمسون ألفاً (650000) , قتلت المجاعة التي وقعت فيها بسبب الحصار تقريباً المـ100000ــائة ألف, بالإضافة إلى 20000 ألفاً قتلوا في المعارك التي خاضوها مع الأفغان.
مشاهدات القس البولندي كرونسكي
القس البولندي تاديوز كروسينسكي( krusinski Tadeusz) الذي أتى إلى بلاد فارس عام 1707 وبقي فيها حتى 1725 م ودون الأحداث كلها كشاهد عيان في مذكراته اليومية ونشرت فيما بعد على هيئة كتاب بعنوان: The history of the late revolution of Persia وكان على علاقة جيدة مع الصفويين ومن ثم مع الشاه محمود حيث عالج محمود فترة, فأكرمه محمود.
يقول كروسنسكي : كل المعارك التي خاضها الطرفان إثناء الحصار كانت إثناء عشرة معركة, انهزمت دولة القز لباش الصفوية في كل تلك المعارك, وكانت تصل محمود تقارير مفصلة عن كل أنحاء المدينة وكان يعلم أن المدينة تحتضر جوعاً ولذا لم يقدم على إ اقتحامها وفتحها عنوة وتركهم لأمرين , إما الاستسلام أو الموت جوعاً.
يقول وحين أخذت مؤن قصر السلطان الغذائية في النفاذ أفاق السلطان حسين من الغفلة وأدرك أن موت الجوع سيطال قصره ومن فيهم وعرف أن لا مناص من الاستسلام فخلع ملابسه السلطانية ولبس عوضاً عنها لباس المأتم والحداد وأخذ يتجول في حرم قصره يودع الخدم والإماء وندماء القصر وأهله, وعندما خرج من القصر رأى جثث رعيته تملئ الشوارع وساحات المدينة وقد فاحت رائحة الموت في كل ناحية ومن هول ما رأى لم يتمالك نفسه وأخذ يجهش بالبكاء حتى ارتفع نحيبه والتفت إلى خدمه ورجال دولته وقال: أيها الصادقون يا عبيدي المخلصون لقد قبلتم أن تبتلوا بهذا البلاء من أجلي وقبلتم الموت غيرة على سلطانكم ودولتكم لكني لا أرى في هذا الفضاء الملبد والوضع المبهم حلاً ولا مخرجاً غير التسليم, لا نملك خيار أخر, لقد هدمت قواعد دولتي بيدي ولم أودي شكر النعمة, وبالفساد والشقاق والنفاق أيقضنا أعداءنا و بسؤ التدبير والإدارة سلمناهم كل ما نملك, لقد وقع القضاء الأزلي ولم أعد لائقاً لكرسي الحكم في إيران وهذا جزاء أعمالنا, وعلينا الرضاء بالقضاء والقدر , لذا سنذهب غداً جميعاً للملك الجديد نطأطئ رؤوسنا ,نخضع له ونصبح عبيده .
الوداع إي تخت شاهـان الوداع الوداع إي ملك إيــــران الوداع الوداع إي تـــــاج داران الوداع الوداع أهل صــــــفاهان الوداع
ثم بدأ الجميع بالبكاء والعويل وتعالت أصوات النحيب حتى أن الأفغان كانوا يسمعون نحيبهم في بلدة جلفا, وأخذ السلطان يتجول مع الرعية في أنحاء المدينة ليرى ما حل بالناس في أصفهان ولم يتوقف النحيب والبكاء إلا بعد مغرب ذلك اليوم حين انصرف الناس لبيوتهم وفي الصباح اجتمعوا إلى قلعة تبرك (قصر السلطان) واتفقوا على الاستسلام وتسليم المدينة للشاه محمود الهوتكي, فقام السلطان حسين بتجهيز ابنته والبسها الذهب والمجوهرات ثم أرسلها مع وفد ثقة من كبار رجاله إلى فرح أباد حيث يقيم محمود, تفاوض الوفد مع الشاه محمود فقبل محمود عرض الاستسلام وأمنهم, وأرسل مع الوفد بعض من قادته وعدد من الفرسان الأفغان إلى أصفهان لإحضار السلطان حسين إلى فرح أباد.
يصف مندوب شركة الهند الشرقية الإنجليزية(بصفته شاهد عيان) منظر التسليم بما يلي:
في الساعة الثانية عشراً ظهراً يوم 23\أكتوبر\1722م خرج سلطان إيران من قصره على ظهر جواده يلبس ملابس العامة دون أدنى مظاهر العظمة والجلال كان يبدو على هيئة رجل بائس قلق وكئيب وكأنه ذاهب للمشاركة في أداء مراسم جنازته, وقبل أن يغادر قصره أمر بنحر الجمال الثلاث الباقية وتوزيع لحومها على الجياع.
كان يرافق السلطان عدد من وزرائه وقادته العسكريين ووجها أصفهان بلغ عدد الجميع نحو 200 شخص امتطوا ظهور الجياد التي أرسلها لهم محمود وذلك لأن المجاعة لم تبقى لهم أية خيل, وعندما عبر الموكب نهر زايندة اتجه يميناً نحو قلعة فرح أباد حيث كان محمود ورجاله في انتظارهم, استقبل محمود السلطان حسين عند بوابة ديوان خاني في قلعة فرح أباد وتعانقا ثم ذهبا للمجلس وجلس كل منهما في المكان المخصص لهما.
رواية شاهد عيان أخر:
في 20أكتوبر كان يتوقع سقوط المدينة في أي لحظة لذا أمر القنصل الفرنسي لدى أصفهان مترجمه الأرمني زوزوف آبي سالميان بالذهاب لفرح أباد وطلب الأمن للأتباع الفرنسيين وحفظ ممتلكاتهم في حال سقطت المدينة, اجتاز زوزوف سالميان خطوط القتال والحصار حتى وصل إلى فرح أباد وأحضر لملاقاة الشاه محمود فطمئنه محمود بالحفاظ على أرواح وممتلكات الأتباع الفرنسيين و أبقى زوزوف عنده في قاعة الضيافة التي احضر إليها فيما بعد السلطان حسين فكان شاهد عيان لما حدث في ذلك المجلس.
يقول سالميان: جلس الشاه محمود في صدر القاعة وجلس السلطان حسين في الطرف المقابل له, فقال السلطان حسين: إنها كانت إرادة ومشيئة الخالق المتعال أن ينزع ملك إيران مني وأن يوليك الملك , أنا أتنازل لك عن عرش إيران و أرجوا من الله لك التوفيق, بعدها قام السلطان حسين بخلع التاج من عمامته وسلمه لأمان الله سلطان, لكنه لما لاحظ تغير ملامح محمود قام وأخذ التاج من يد أمان الله سلطان وذهب بنفسه ووضعه على رأس ملك الأفغان الشاه محمود الهوتكي, بعد ذلك أرسل السلطان حسين إلى إحدى الغرف المعدة لإقامته .
هذه كانت نهاية حكم السلطان حسين ونهاية الإمبراطورية الصفوية التي حكمت بلاد فارس لقرون.
في نفس اليوم عصراً أرسل محمود قائد ه أمان الله سلطان (سافي) مع 3000 من الخيالة إلى أصفهان , قام أمان الله سلطان بتأمين قصور السلطان ووضعها تحت تصرفه ووضع الشمع على الأبواب تفادياً لنهبها وسرح الحراس الفرس وعين عليها حراساً أفغان , في الصباح أتى أمر محمود بتجميع الجثث من أنحاء أصفهان ودفنها وتنظيف المدينة درءاً للأمراض .
يقول لورانس لوكارت : بعد أن ملك محمود تاج إيران أمر بنقل جميع المواد الغذائية المخزنة في فرح أباد إلى أصفهان وتوزيعها على أهل المدينة مجاناً. بعد ذلك اتخذت التدابير اللازمة واللائقة بقدوم السلطان الفاتح الشاه محمود إلى مدينة أصفهان , وكان أمان الله سلطان قد أمن الطريق ووضع على سطوح المباني المرتفعة ومآذن المساجد أفراداً مسلحين وقناصة مهرة تفادياً لأي محاولة غدر محتملة.
وكتب زوزوف آبي سالميان إلى القنصل الفرنسي كلراك يصف مشاهداته.
يقول : بدأ الموكب بعشرة خيالة من القادة الأفغان يليهم ألفان من الخيالة كان من بينهم عدد من قادة وزعماء البلاط الصفوي, يليهم رئيس ديوان محمود مع 15 فارس ومن ثم جنود يحملون البنادق وبعدهم ألفاً من المشاة ثم رئيس المراسم الشاهية لدى محمود ومعه 300 من الزنوج الحمر, وخلفهم بأربعين قدماً كان محمود يمتطي الجواد الذي أهداه له سيد عبدالله وقت استسلامه وكان السلطان حسين يسير عن يسار محمود وخلفهم 300 من العبيد على خيول ويليهم مفتي الأفغان الملا زعفران والقائد نصر الله وصاحب الخزانة الملا موسى وخلفهم رئيس وزراء إيران والقادة الإيرانيون والأفغان يمتطون الخيل , بعدهم 6600 من الخيالة الأفغان وفي الصف الأخير مائة بعير على ظهر كلٍ منها مدفع عندما اجتاز الموكب جسر شيراز الواقع على نهر زايندة أُرسل السلطان حسين إلى محل إقامته , وعندما وصل الموكب للبوابة الرسمية لأصفهان قام أهل المدينة بالترحيب بالسلطان الجديد ورشوا موكبه بالعطور وفرشوا له أفخر أنواع السجاد, عندها أطلقت المدافع المحمولة على الجمال نيرانها ابتهاجاً بالنصر فصاح الجنود الأفغان بالتكبير, وبوصول محمود لقلعة تبرك وجلوسه على عرش إيران اجتمع لديه القادة الأفغان والفرس والسلطان حسين وبايعوه سلطاناً على بلاد فارس, وقام السلطان حسين بعقد نكاح محمود على ابنته, وبعد إتمام مراسم التولية والنكاح أطلقت المدافع في أنحاء المدينة نيرانها إعلاناً ببداية عهد جديد في إيران ونهاية الدولة الصفوية, وقام محمود بدعوة الحاضرين إلى وليمة عرسه.
القضاء على المجاعة ومحو أثارها
كان محمود قبل وصوله لأصفهان قد أمر بنقل المؤن الغذائية الموجودة في فرح أباد إلى مدينة أصفهان وتوزيعها على أهل المدينة , وعندما قدم إلى أصفهان وتولى زمام الأمور حرص على توفير الغذاء لأهلها البالغ عددهم أكثر من ستمائة ألف فأرسل قائده نصر الله مع 3000 جندي إلى أطراف أصفهان والمناطق القريبة وأمره بجمع ما يستطيع من المؤن وإرسالها لأصفهان , تمكن نصر الله في شهرين ونصف أن يرسل إلى أصفهان قافلة من خمسين ألف من الإبل تحمل مؤن غذائية , وكذلك عند رجوعه لأصفهان أحضر معه مائة ألف من الدرجيزين السنة من مدينة درجزين (جيم مصرية) ليقيموا في أصفهان وكذلك أتت ثلاثون ألف عائلة من قندهار إلى أصفهان لمؤازرة حكم الأفغان على إيران.
الملك الناصر ناصر الدين محمد بن قلاوون ، ( ولد بـالقاهرة في 684هـ / 1285 - توفى بالقاهرة في 741هـ / 1341 ). تاسع سلاطين الدولة المملوكية البحرية .لقب بـأبو المعالي و أبو الفتح . جلس على تخت السلطنة ثلاث مرات، من 693هـ / 1293 إلى 694هـ / 1294، ومن 698هـ / 1299 إلى 708هـ / 1309 ومن 709هـ / 1309 وحتى وفاته في عام 741هـ / 1341. من أبرز سلاطين الأسرة القلاوونية والدولة المملوكية. خاض حروباً ضد الصليبيين والمغول ، و حروباً إصلاحية في الداخل ضد الفساد . شهدت مصر في فترة حكمه الثالثة نهضة حضارية وعمرانية لم تشهدها في عهد أي سلطان آخر من سلاطين الدولة المملوكية
ما قبل السلطنة
كان ناصر الدين محمد أصغر أبناء السلطان المنصور قلاوون ، والأخ الأصغر للسلطان الأشرف خليل. ولد بقلعة الجبل بالقاهرة في يوم السبت النصف من المحرم سنة 684 هـ / 24 مارس 1285م. أمه " أشلون خاتون " ابنة الأمير المغولى " سكناى بن قراجين بن جيغان " ، الذى وفد إلى مصر مع أخيه " قرمشي بن قراجين " في صيف سنة 675هـ / 1276، في أيام السلطان الظاهر بيبرس ، وقد تزوجها السلطان قلاوون في عام 680 هـ بعد وفاة أبيها وأنجب منها أخر أبنائه ناصر الدين محمد، وكانت زوجته الوحيدة في يوم وفاته .
في عام 692هـ / 1292 احتفل السلطان خليل بـختان أخيه الأمير ناصر الدين وعدة من أولاد الأمراء، و نصب القبق بالقرب من باب النصر ووزعت الأموال على من أصاب في رميه ونثر الذهب .
نشأ الناصر محمد في قلعة الجبل، مقر السلاطين بالقاهرة، محاطاً بالأمراء والنبلاء وأرباب الدولة، فهو ابن السلطان المنصور ، وأخو السلطان الأشرف، وأمه بنت أمير من أمراء المغول. تلك البيئة التى نشأ فيها الناصر كانت لها أثراً على شخصيته وطباعه بعدما كبر، حيث توسع في الإنفاق على البنايات الفخمة والمشاريع الحيوية، كما استهواه الغزو والفتح .
فترة الحكم الأولى 693-694هـ / 1293-1294م
بعد اغتيال السلطان الأشرف خليل في ديسمبر 1293م اتفق الأمراء على تنصيب أخيه الصغير ناصر الدين محمد، و على اخفاء نبأ الاغتيال لبعض الوقت إلى أن تستقر الأمور. فأرسلوا إلى الأمراء في الشام، بتدبير من الأمير سنجر الشجاعى، مكتوب على لسان الأشرف مضمونه: " إنا قد إستنبنا أخانا الملك الناصر محمداً و جعلناه ولى عهدنا حتى إذا توجهنا إلى لقاء عدو يكون لنا من يخلفنا " و طُلب من أمراء الشام تحليف الناس للملك الناصر محمد، و أن يقرن اسمه باسم الأشرف في الخطبة. فجمع الأمير عز الدين أيبك الأموى، نائب السلطان في دمشق، الأمراء و أرباب الدولة و خطب باسم الملك الأشرف والملك الناصر ولي عهده. و استمر الأمر على هذا النحو إلى أن وصل " مرسوم ناصرى " يأمر بالخطبة للملك الناصر وحده والترحم على أبيه المنصور وأخيه الأشرف .
أحضر الأمراء الناصر محمد، و كان في التاسعة من عمره، ونصبوه سلطاناً على البلاد ومعه الأمير زين الدين كتبغا نائباً للسلطنة والأمير سنجر الشجاعى وزيراً ومدبراً للدولة، وبيبرس الجاشنكير أستادراً. أصبح السلطان الصغير مجرد دمية في أيدى الحاكمين الفعليين للبلاد كتبغا والشجاعى. لكن كتبغا، وهو مغولى الأصل، والشجاعى كانا في واقع الأمر غريمان متنافسان، وراحت علاقتهما ببعضهما البعض تزداد سوءًً و تدهوراً مع مرور الأيام وتطور الأحداث، فالشجاعى لما رأى انه قد صار مهيمناً على أمور الدولة في وجود طفل على تخت الملك، روادته نفسه على سلطنة نفسه، فراح يرمى الفتن بين الأمراء وكتبغا، و صار يغدق على المماليك البرجية و يغريهم بقتل الأمراء والنيل من كتبغا. فلما علم كتبغا بمخطط الشجاعى جمع بنى جلدته من المغول المقيمين بالقاهرة والأكراد الشهرزورية وحاصر القلعة و قطع عنها الماء. نشب نزاع دموى بين فريق الشجاعى و فريق كتبغا، إنتهى بهزيمة الأمير الشجاعى ( الذى لعب دوراً رئيسيا في تحرير الشام من الصليبيين ) بعد أن أكد كتبغا لأم السلطان الناصر وهى تحدثه من فوق السور، أن الصراع الدائر هو نزاع بينه و بين الشجاعى وليس بينه و بين ابنها الملك الناصر مؤكداً لها : " والله لو بقى من أولاد أستاذنا - أى السلطان قلاوون - بنت عمياء، ما خرجنا المُلك عنها، وإنما قصدنا مسك الشجاعى الذى يرمى بيننا الفتن ". فاطمئنت أم الناصر وأغلقت أبواب القلعة ليجد الشجاعى نفسه محصورا بين أبواب القلعة المغلقة وقوات كتبغا. وبدأ مماليك الشجاعى يفرون منه و ينضمون لفريق كتبغا. طلب الشجاعى الأمان من كتبغا فلم يعطه، فذهب إلى القلعة لايجاد حل للنزاع الدائر ولكنه قُتل عند دخوله القلعة . أو بعد خروجه من عند السلطان الصغير الذى نصحه قائلاُ : " يا عمى، أنا اعطيك نيابة حلب، اخرج روح عنهم واستريح من هذا الحال كله" . بعد مقتل الشجاعى فتحت أبواب القلعة و دخل كتبغا و أمراءه وأطلقوا سراح أتباعهم الذين كان الشجاعى قد أسرهم وقت النزاع أو قبض عليهم من قبل. وأبعد كتبغا المماليك البرجية التى آزرت الشجاعى إلى ثكنات بعيدة عن القلعة وسجن بعضهم، كما سجن بعض الأمراء من عصبة الشجاعى، و كان بيبرس الجاشنكير من ضمنهم . أقيم الأمير تاج الدين بن الصاحب وزيراُ محل الشجاعى ، و سُلبت أملاك الشجاعى و قُبض على نوابه في الشام .
فجأة ظهر في القاهرة حسام الدين لاجين الذى فر وأختفى مع الأمير قرا سنقر بعد اشتراكهما في قتل السلطان الأشرف. ثارت المماليك البرجية، وهى مماليك الأشرف خليل التى أبعدها كتبغا من القلعة، وخرجت إلى الشوارع هائجة تطالب بمعاقبة حسام الدين لاجين على اشتراكه في قتل أستاذهم. وانتهى الأمر بالقبض على المماليك الأشرفيه الغاضبة ومعاقبتها بالسجن والاعدام.
بمقتل الشجاعى و إخماد ثورة الأشرفية توطد وقوي مركز كتبغا فأصبح الحاكم الفعلي للبلاد بلا منازع. و أقنعه لاجين بضرورة ازاحة السلطان الناصر والاستيلاء على العرش قبل أن يقوم مماليك الأشرف، أو الناصر ذاته بعد أن يكبر ، بالانتقام منه.
جمع كتبغا الأمراء في دار النيابة وقال لهم: " قد انخرق ناموس المملكة، والحرمة لا تتم بسلطنة الناصر لصغر سنه " فوافقه الأمراء و حلفوا له، فتسلطن بلقب الملك العادل كتبغا ومعه حسام الدين لاجين نائباً للسلطنة، وأبعد الناصر محمد مع أمه إلى احدى قاعات القلعة، منهياً بذلك فترة حكمه الأولى التى لم يفعل فيها شيئاً يذكره التاريخ سوى الجلوس على تخت السلطنة وبلوغه سن العاشرة. ثم قام حسام الدين لاجين بعد أن تسلطن بإبعاده إلى الكرك.
فترة الحكم الثانية 698-708هـ / 1299-1309م
حكم العادل كتبغا البلاد نحو سنتين ثم اضطر في عام 696هـ / 1296م للفرار إلى دمشق والتنحي بعدما حاول الأمراء، و على رأسهم نائب السلطنة حسام الدين لاجين، قتله في دهليزه أثناء عودته إلى مصر من الشام. ونصب لاجين سلطاناً وأبعد الناصر محمد إلى الكرك قائلاً له " لو علمت أنهم يخلوك سلطاناً وا لله تركت الملك لك، لكنهم لا يخلونه لك. أنا مملوكك ومملوك والدك، أحفظ لك الملك، وأنت الآن تروح إلى الكرك إلى أن تترعرع و ترتجل ( أى تصبح رجلاً ) و تتخرج وتجرب الأمور و تعود إلى ملكك " مشترطاً على الناصر بأن يوليه دمشق عند عودته وإشترط الناصر عليه أن لا يقتله فتعاهدا وغادر الناصر مصر إلى الكرك . و في عام 698هـ / 1299م قتل لاجين ونائب سلطنته منكوتمر بعد حكم دام نحو سنتين وشهرين.
بعد مصرع لاجين اجتمع الأمراء، ومعهم الأمير بيبرس الجاشنكير ، واتفقوا على اعادة الناصر محمد من الكرك وتنصيبه من جديد سلطاناً على البلاد ومعه الأمير طغجي نائباً للسلطنة. إلا أن الأمير كرجي ( قاتل لاجين ) عاد بعد يوم وأعترض على احضار الناصر محمد قائلاً للأمراء :" يا أمراء أنا الذى قتلت السلطان لاجين وأخذت ثأر أستاذي ( أي الأشرف خليل )، والملك الناصر صغير ما يصلح، ولا يكون السلطان إلا هذا - وأشار لطغجي - وأنا أكون نائبه، ومن خالف فدونه ". فأيدته المماليك و الأمراء الأشرفيه ( البرجية )، بينما قرر الأمراء الذين يؤيدون اعادة الناصر انتظار عودة الأمير بدر الدين بكتاش الفخري أمير سلاح إلى مصر .
في غضون ذلك كان أميران قد قد وصلا إلى الكرك وأخبرا الملك الناصر وأمه بأنه قد تقرر إعادة الناصر إلى منصب السلطنة، وتبع ذلك وصول البريد من مصر يستحث الناصر على الحضور، ففرح الناصر وأمه وقررا المسير إلى مصر.
في 4 جمادى الأولى 698هـ دخل الناصر القاهرة، و كان عمره حينذاك أربعة عشر عاماً، واحتشد الناس لاستقباله في فرحة عارمة واحتفلوا بعودته. جددت البيعة للناصر فصار سلطان البلاد للمرة الثانية و معه ألأمير سيف الدين سلار نائباً للسلطنة، وبيبرس الجاشنكير أستادراً.
كما حدث للناصر في سلطنته الأولى تكرر في سلطنته الثانية. أصبح دمية في أيدي سلار و بيبرس الجاشنكير اللذان صارا الحاكمان الفعليان للبلاد. تزعم بيبرس الجاشنكير، و كان شركسي الأصل، المماليك البرجية. و تزعم سلار، و كان أويراتي من المغول الوافدية، المماليك الصالحية والمماليك المنصورية. أما المماليك الأشرفية فقد تزعمها الأمير برلغي. كان بيبرس الجاشنكير بمماليكه البرجية أقوى الأطراف، وراح سلار وبرلغي يتنافسان معه على المفاسد وجمع الأموال عن طريق فرض مكوس كانت تعرف باسم " الحمايات ". و هى اتاوة أو رشوة كان الأمراء يفرضونها على الأفراد والتجار في مقابل حمايتهم و تقديم العون لهم في منازعاتهم .
معركة وادي الخزندار
في سنة 699هـ / 1299م وردت إلى القاهرة أنباء عن زحف مغولي على الشام يقوده محمود غازان إلخان مغول فارس ( الإلخانات ) فتوجه الناصر إليها. وفى 8 ربيع الأول اصطدم جيش الناصر بجيش غازان المتحالف مع أرمن كيليكيا Cilicia (مملكة أرمينية الصغري) عند حمص في معركة عرفت باسم معركة وادى الخزندار أو معركة حمص الثالثة. . انهزم جنود الناصر وفروا مما أحزنه وأبكاه. و دخل المغول دمشق و سيطروا على الشام، و خطب لغازان على منبر دمشق ثم غادر غازان دمشق بعد أن أقام الأمير قبجق . نائباً عليها تحت حماية نائبه قطلو شاه عاد جنود الناصر إلى مصر و معهم عوام من الشام في أسوأ حال . و كان من ضمن الفارين إلى مصر السلطان المخلوع العادل كتبغا الذى عينه السلطان لاجين نائبا على قلعة صرخد. دخل السلطان الناصر قلعة الجبل في 12 ربيع الأول و قد أصابه حزن بالغ و تألم ألماً شديداً لهذه الهزيمة الشنعاء و لكنه بدأ ينظم الجيش و يجهز لأخذ الثأر من المغول . و خرج قبجق من دمشق متوجهاً إلى مصر، فاستولى الأمير أرجواش على دمشق وأعاد الخطبة بإسم الملك الناصر بعد انقطاعها مائة يوم . في أثناء فترة اعداد الجيش وصل إلى القاهرة وفد من غازان بطلب الصلح ووافق الناصر. إلا أن طلب غازان للصلح كان، كما يبدو، مجرد مناورة منه لكسب الوقت للتعرف على استعدادات وتحركات الملك الناصر.
تحرير جزيرة أرواد وغزو مملكة قليقية
بعد أن حرر الأشرف خليل ساحل الشام في عام 1291 فر بعض فرسان المعبد (الداوية) وبعض الصليبيين إلى جزيرة أرواد القريبة من طرطوس، فتحولت الجزيرة إلى قاعدة صليبية لشن الهجمات على سفن المسلمين و بؤرة تربص بطرطوس و ساحل الشام. في أواخر عام 1300 طلب غازان المغولي من أرمن قليقية ( مملكة أرمينية الصغرى ) و صليبيي جزيرة قبرص القيام بعملية مشتركة ضد المسلمين، فقام الصليبيون في قبرص بشحن مقاتلين من فرسان المعبد والاسبتاريه، وقوات يقودها " امالريك اوف لوزيان " (Amalric of Lusigan) ابن ملك قبرص هيو الثالث ( Hugh III )، إلى أرواد . وصلت ألانباء إلى القاهرة فقرر الناصر بناء شواني لغزو الجزيرة. و في سبتمبر 1302 أبحر الأمير كهرداش من مصر إلى الشام وحاصر أرواد وفتك بالحامية الصليبية وأسر عدداً من فرسان المعبد وفر غيرهم إلى قبرص. في يوم 26 سبتمبر 1302 استسلمت أرواد التي كانت اخر جيب للصليبيين في الشام ودقت بشائر النصر في القاهرة. وكان يوم دق البشائر هو نفس اليوم الذى عاد فيه الأمير بكتاش منتصراً على أرمن قليقية . فالأمير بكتاش كان قد خرج، في عدة من الأمراء من بينهم كتبغا، إلى مملكة قليقية الأرمنية بسبب تحالفها مع غازان. انتشرت قوات بكتاش في أرجاء كليكليا وحرقت المحاصيل وأسرت أعداداً من الأرمن وحاصرت عاصمتهم سيس و عاد إلى القاهرة غانماً بينما كانت بشائر لتحرير أرواد تدق.
كان طرد الصليبيين من أرواد وتوجيه ضربة لمملكة قليقية إنتصاراً هاماً للمسلمين على فكرة التحالف الصليبي-الأرميني-المغولي التى كان الصليبيون وأرمن قليقية يسعون بكل كد وجهد لتحقيقه . في تلك الفترة ذكر هيتوم الأرميني ( Het'um the Armenian ) في كتابه مخاطباً بابا الكاثوليك عن أهمية التعاون مع المغول قائلاً: " هذا هو الوقت المناسب لإستعادة الأرض المقدسة بمساعدة المغول ومن الممكن إحتلال مصر بدون مصاعب أو مخاطر ". و يشرح في فقرة أخرى : " يجب طلب شيئين من ملك المغول: أولاً أن لايسمح بمرور أى شيءعبر مناطقه إلى أراضي الأعداء، و(ثانياً) أن يرسل رجاله و رسله لإشعال حرب في أراضى ملاطية و يدمر و يخرب منطقة حلب. و عندها نقوم نحن الحجاج و قوات قبرص وأرمينيا بغزو أراضي الأعداء بحراً و براً. وعلى قواتنا المسيحية أن تحصن جزيرة أرواد إذ أنها تحتل موقعاً رائعاً لضرب سفن الأعداء وإحداث أضراراً جسيمة بهم " .
قلاقل و اضطرابات داخلية
شهدت البلاد في فترة حكم الناصر محمد الثانية اضطرابات و قلاقل كان من أخطرها " وقعة أهل الذمة "، ومشاغبات بعض العربان في البحيرة وصعيد مصر.
بدأت " وقعة أهل الذمة " في شهر رجب 700هـ / 1301م عندما توقف وزير ملك المغرب بالقاهرة وهو في طريقه إلى مكة للحج. هال الوزير المغربي رؤية أهل الذمة من الأقباط واليهود يعيشون في ترف و يزينون خيولهم بالحلي الفاخرة في القاهرة، فبكى و اشتكى للأميرين سلار وبيبرس الجاشنكير وأثر على نفوس الأمراء ببكائه و طول كلامه. فاجتمع القضاة ببطرك الأقباط و أكابر القساوسة ورؤساء اليهود، وتقرر ألا يستخدم أحد منهم بديوان السلطان ولا بدواوين الأمراء، وألا يركب المسيحيون واليهود والسامرة الخيول والبغال، وأن يلتزموا بعدم ارتداء العمم البيض في مصر والشام. ثم تطور الأمر حين امتدت أيدي العامة إلى كنائس الأقباط بفتاوي تحريضية لبعض الشيوخ. و اغلقت الكنائس نحو عام في مصر إلى أن توسط ملك نيقيا البيزنطي وبعض الملوك ففتحت الكنائس . وقد لعبت الحروب الصليبية دوراً أساسياً في إشعال نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين المحليين في مصر والشام .
في ذات الوقت وقع في البحيرة صدام دموي بين طائفتين عربيتين هما طائفتا "جابر" و "برديس"، فخرج إليهما الأمير بيبرس الدوادار في عشرين أميراً وطاردهما واستدعى شيوخهما ووفق بينهما. أما في الصعيد، فقد انتهز بعض العربان فرصة انشغال الدولة في حربها مع غازان فأمتنعوا عن دفع الخراج فسير إليهم الوزير سنقر الأعسر الذى قتل عدد من المتمردين و أخذ الإبل والأسلحة وكل خيول الصعيد. إلا ان ذلك لم يؤد إلى الإستقرار بالصعيد حيث إستخف العربان بالولاة، وامتنعوا مرة آخرى عن دفع الخراج، وقاموا بفرض إتاوات على التجار في أسيوط ومنفلوط ، وتسموا بأسماء الأمراء واقاموا عليهم كبيرين أحدهما سموه بيبرس و الآخر سلار، وأطلقوا سراح المساجين. فاستفتى الأمراء الفقهاء والشيوخ في جواز قتالهم، فأفتوهم بجواز ذلك. فقام الامراء بمنع السفر إلى الصعيد، واشاعوا أنهم مسافرون إلى الشام ثم حاصروا الصعيد من عدة جهات و أنقضوا على المتمردين وقضوا عليهم .
معركة شقحب ( معركة مرج الصفر )
في رجب عام 702هـ / 1303م قدم البريد إلى القاهرة من حلب بأن غازان على وشك التحرك إلى الشام، فخرج إلى دمشق الأمير بيبرس الجاشنكير على رأس ثلاثة آلاف من الأجناد. . أرسل غازان قائده ونائبه قطلوشاه إلى الشام بجيش قوامه 80 ألف مقاتل. ولما عرف قطلوشاه أن الناصر لم يخرج من مصر بعد، وأن ليس بالشام غير العسكر الشامي، توجه تواٌ إلى حماة .
في يوم السبت الموافق 2 رمضان 702هـ/ 20 إبريل 1303م ،وصل الناصر محمد إلى عقبة شجورا وبينما الأمراء يستقبلونه ويسلمون عليه وصل خبر بأن جيش قطلوشاه قد أقدم. فارتدى الجنود السلاح، و أتفق الأمراء على محاربته بشقحب تحت جبل غباغب . كان جيش الناصر يضم نحو 200 ألف مقاتل . اصطدم الجيشان و ظن البعض أن جيش المسلمين قد هزم بعدأن تجاوز بعض المغول خط ميمنة المسلمين، فانسحب قطلوشاه إلى جبل قريب و صعد عليه و في ظنه أنه قد انتصر وأن قواته تطارد المسلمين، ولكنه أبصر ميسرة السلطان الناصر فتحير، فلما سأل أحد الأسرى المسلمين وعلم منه أنه من أمراء مصر، أدرك أن السلطان الناصر موجود بجيش مصر في ساحة القتال.. في اليوم الثاني نزل قطلوشاه بمقاتليه فتصدت له المماليك السلطانية وأجبرته على التراجع إلى الجبل . وعلم المسلمون أن قوات قطلوشاه تعاني من العطش، فلما نزل المغول في فجر اليوم الثالث وساروا نحو النهر لم يتعرض لهم المسلمون، ثم حصدوهم عندما بلغوا النهر وقاموا بمطاردة الفارين منهم . لم يعبر الفرات مع قطلوشاه من جنوده إلا عدد قليل. أرسلت بشائر النصر إلى مصر ففرح الناس .
في 23 شوال عاد الناصر إلى القاهرة عاصمة ملكه التي تزينت له من باب النصر ومعه الأسرى و رءوس المغول، ثم زار قبر أبيه الملك المنصور، و صعد إلي قلعة الجبل على الشقق الحرير، و أنعم على الأمراء، وأمر بإحضار سائر مغاني العرب من كل أنحاء مصر، وأقيمت احتفالات كبرى في البلاد .
انجازات الناصر محمد و رحيله إلى الكرك
في سنة 703هـ / 1304م سير الناصر جنوده من القاهرة إلى كليكيا الأرمنية تحت قيادة الأمير بدر الدين بكتاش وانضمت إليهم قوات في الشام، فهاجموا الأرمن و حرقوا مزارعهم و أسروا منهم أعداداً، ثم حاصروا قلعة تل حمدون التي تحصن فيها الأرمن وسلمت إليهم بالأمان . في نفس السنة نقل السلطان الناصر أمه من التربة المجاورة للمشهد النفيسي إلى التربة الناصرية بمدرسته التي اكمل بنائها واضاف مئذنتها في سنة 1303. وأنجبت له زوجته أردكين الأشرفية ولدا سماه علياً، ولقبه بالملك المنصور . ووفد إلى القاهرة نحو مائتي فارس مغولي بنسائهم وأولادهم، وكان من ضمنهم عدة من أقارب غازان وأم الأمير سلار. فاكرمهم الناصر و أنعم عليهم ببيوت للإقامة و إقطاعات. ثم قدم رسل المغول بكتاب وهدية من محمد خدابنده (اولجایتو)الذى جلس على عرش المغول بعد وفاة أخيه محمود غازان. وخاطب الناصر بالأخوة وطلب الصلح وإخماد الفتن وقال في آخر كلامه: " عفا ا لله عما سلف ومن عاد فينتقم ا لله منه ". فوافق الناصر وأكرم رسله وأرسل إليه هدية .
في سنة 780هـ / 1309م أحس الناصر أنه غير قادر على مواجهة سيطرة سلار وبيبرس الجاشنكير عليه وعلى أمور الدولة، فاخبرهما بأنه ذاهب إلى مكة للحج. ولكنه بدلاً من الذهاب إلى مكة ذهب إلى الكرك وبقي هناك. لم يقصد الناصر برحيله إلى الكرك التنازل عن العرش، لكنه كان يدرك انه لن يتمكن من الحكم كما يحلو له مادام بيبرس و سلار يسيطران على حياته وعلى شئون الدولة. كما كان يدرك أنهما آجلاً أو عاجلاً سيسعيان للتخلص منه إما بالخلع أو بالقتل. فكانت خطته أن يبتعد عن مصر وعن عيونهما لبعض الوقت فيتمكن بذلك من الاتصال، بحرية وبدون مراقبة، بأمراء الشام ومؤيديه من أمراء مصر حتى يتمكن بمساعدتهم من التخلص منهما وفرض سيطرته على نفسه وعلى مملكته . كانت حسبة الناصر صحيحة وتمكن من تنفيذ خطته بنجاح فيما بعد.
عندما رفض الناصر محمد العودة إلى مصر قائلاً أن الكرك: " من بعض قلاعي وملكي، وقد عولت على الإقامة بها "، عرض الأمراء السلطنة على الأمير سلار فقال لهم : " وا لله يا أمراء أنا ما أصلح للملك، و لا يصلح له الا أخى هذا "، وأشار إلى بيببرس الجاشنكير فهتف البرجية: " صدق الأمير ". فوافق الأمراء ونصب بيبرس سلطاناً على البلاد بلقب الملك المظفر ومعه الأمير سلار نائباً للسلطنه وأقام " بيبرس الجاشنكير " الناصر محمد على نيابة الكرك و كتب إليه قائلاً : " أنى أجبت سؤالك فيما اخترته، وقد حكم الأمراء علي فلم تمكن مخالفتهم, وأنا نائبك " .
كانت مدة الملك الناصر في السلطنة الثانية، عشر سنين وأياماً .
فترة الحكم الثالثة 709-741هـ / 1309-1341م
كان وجود الملك الناصر في الكرك و تحركاته تقلق السلطان بيبرس الجاشنكير. فتحجج بحاجته للمال، بسبب امكانية مهاجمة خربندا ملك المغول للشام، و طلب منه إرسال كل الأموال و الخيول التي أخذها معه من مصر و كل الأموال التي استولى عليها من حاصل الكرك بالإضافةإلى كافة المماليك باستثناء عشرة مماليك لخدمته. و هدده بأنه إن لم يفعل ذلك " خرجت إليه العساكر حتى تخرب الكرك عليه ". فأرسل الناصر إليه نصف المال المطلوب مع رسالة شفهية تعتذر عن عدم إمكانية إرسال كل المطلوب فقنع بيبرس الجاشنكير بذلك.
إلا أن الأمور لم تستقم لبيبرس الجاشنكير الذى لم يكن محبوبا عند المصريين بسبب سؤ الأحوال الاقتصادية و السياسية في البلاد، ففي عهده عم الوباء و انخفض منسوب مياه النيل و ارتفعت الأسعار، فراح الناس يطالبون بعودة الناصر محمد و يهزءون من بيبرس و نائبه سلار و يغنون : " سلطاننا ركين و نائبنا دقين ، يجينا الماء منين . جيبوا لنا الأعرج، يجى الما و يدحرج" . مع مرور الوقت زاد اضطراب بيبرس الجاشنكير و أصبح أمر الملك الناصر يؤرقه و ينغص عليه ، فنصحه أمراءه بالقبض عليه، إلا أنه خشى عاقبة اقدامه على فعل ذلك، لكنه أرسل إليه الأمير مغلطاي لياخذ منه الخيل و المماليك، فغضب الملك الناصر و قال له : " أنا خليت ملك مصر و الشام لبيبرس، و ما يكفيه حتى ضاقت عينه على فرس عندى أو مملوك لى، و يكرر الطلب ؟ ارجع اليه، وقل له و الله لئن لم يتركنى و الا دخلت بلاد التتر، و أعلمتهم أنى قد تركت ملك أبى و أخى و ملكى لمملوكى, و هو يتبعنى و يطلب منى ما أخذته". فلما رد عليه مغلطاي بقلة احترام صاح به : " ويلك! وصلنا إلى هنا؟" و أمر بجره و رميه من سور القلعة، لكنه عفا عنه و اكتفى بحبسه بعد أن شفع فيه الأمير أرغون الدوادار، ثم طرده. كتب الناصر رسائل إلى بعض نواب الشام و مؤيديه من أمراء مصر يستعطفهم و يثيرهم على بيبيرس الجاشنكير. فشرح لهم أنه ترك مصر بسبب ضيق اليد و التدخل في شئونه. وأن الملك المظفر يضايقه من حين لأخر بمطالبته بالمال و الخيل و المماليك. و قال لهم: " أنتم مماليك أبي و ربيتموني. فإما تردوه عني إلا أسير إلى بلاد التتار". و تعاطف بعض الأمراء مع الناصر محمد و أعلنوا عن تأييدهم له. و أرسل الأمير بهادرآص من دمشق إلى بيبرس يعلمه أن نواب الشام قد مالوا إلى الناصر و أن عليه الخروج إلى الشام. فأجاب بيبرس بأنه لا يخرج لأنه يكره الفتنة و سفك الدماء و أن الخليفة قد كتب بولايته و عزل الملك الناصر، فإما أن يرضى النواب بذلك أو يتنحى.
عودة الناصر محمد
دخل الملك الناصر دمشق في شهر شعبان بتأييد غالبية الأمراء و زينت الشوارع و فرح الناس بقدومه و كثر الدعاء له. و في يوم الجمعة 12 شعبان احتشد الناس في الميدان للصلاة و خطب له. فلما وصلت الأنباء إلى القاهرة استدعى بيبرس الجاشنكير كل الأمراء و استشارهم، فنصحه بيبرس الدوادار و بهادر آص بخلع نفسه و الذهاب إلى الناصر ليستعطفه. فوافق و ارسل بيبرس الدوادار إلى الناصر، لكنه أصيب باضطراب في آخر النهار فدخل الخزائن و أخذ ما استطاع من المال و الخيل و الهجن و فر مع مماليكه فلحقت بهم العامة و راحت تسبهم و تلقيهم بالحجارة إلى أن تمكنوا من الفرار. و في صباح اليوم التالى أمر سلار حراس قلعة الجبل بالهتاف باسم الملك الناصر ، و في يوم الجمعة خطب على منابر مصر باسمه و اسقط اسم الملك المظفر .
في أول أيام شهر شوال و صل الناصر إلى القاهرة و صلى صلاة العيد بالدهليز، و في اليوم التالى جلس على تخت الملك للمرة الثالثة. في فترة حكمه الأولى كان الناصر دمية في أيدى كتبغا و الشجاعي و في الفترة الثانية، مع أنه كبر و أصبحت له أعمال يعتز بها، إلا أنه عاش محجوراً عليه عن طريق بيبرس الجاشنكير و سلار اللذان كانا يمارسان السلطان الفعلي و يتحكمان في معاشه. أما هذه المرة فقد عاد إلى مصر و قد جاوز سن الطفولة و أصبح في الخامسة و العشرين، و قد صقلته الأحداث و حنكته التجارب . عاد الناصر إلي تخت السلطنة هذه المرة عازماً على الإنتقام لنفسه ممن أساءوا إليه و مصمماً على ألا يترك أحداً يستصغره أو يتآمر عليه.
الإنتقام من بيبرس الجاشنكير و سلار
بدأ الناصر ولايته الثالثة بالقبض على عدد من الأمراء و حبسهم بالأسكندرية، و أفرج عن بعض المساجين والأمراء، كان من ضمنهم شيخ الإسلام ابن تيمية و الأقوش المنصوري قاتل سنجر الشجاعي . كما جرد عدداً من الأمراء إلى دمشق، و أمر اثنين و ثلاثين من مماليكه. ثم بدأ يجهز للإنتقام من بيبرس الجاشنكير و سلار.
طلب بيبرس الجاشنكير الأمان من الناصر، و رد الأموال التي كان قد نهبها قبل فراره من القلعة، وقد سلمها بيبرس الدوادار إلى الملك الناصر . إلا أن الناصر أمر بالقبض عليه. رفض بيبرس مقاتلة الرجال الذين أرسلهم الناصر للقبض عليه وقام بتسليم نفسه عند غزة للأمير أسمندر كرجي، فقام بنقله مقيداً إلى الناصر في قلعة الجبل. فلما مثل بين يدي الناصر عنفه الناصر و راح يذكره بما فعل به، و بعد ان عدد له اساءاته ختم كلامه قائلاُ: " ويلك وزدت في أمري حتى منعتني شهوة نفسي ". فقال بيبرس : " يامولانا السلطان كل ماقلت فعلته، و لم تبق إلا مراحم السلطان ". فقال له الناصر: " يا ركن الدين أنا اليوم أستاذك، وأمس تقول لما طلبت أوز مشوي إيش يعمل بالأوز، الأكل هو عشرون مرة في النهار " ، وأمر باعدامه فخنق و دفن خلف القلعة .
أما سلار فقد طلب من الناصر محمد أن يعفيه من نيابة السلطنة وأن يعينه حاكماً على الشوبك، فاستجاب الناصر مؤقتاً، وعين الأمير بكتمر نائباً للسلطنة بدلاً منه، وسافر سلار إلى الشوبك وظن أن الناصر قد عفا عنه. إلا أن بعد مرور بعض الوقت ، استدعاه الناصر إلى القاهرة وأمر بحبسه وصودرت أملاكه وممتلكاته، وكان سلار من أغنى الأمراء محباً لجمع المال، فقد بلغت ثروته المصادرة أكثر من خمسين حملاً من الذهب والفضة والجواهر واللجم المفضضة والأقمشة المزركشة وغير ذلك. ومات سلار بالسجن ودفن في التربة التي كان قد أنشأها بالقرب من جامع ابن طولون .
في عام 1310 تآمر نائب السلطنة بكتمر الجوكندار والأمير بتخاص المنصوري مع المماليك المظفرية على الإطاحة بالناصر محمد وتنصيب الأمير موسى بن الصالح علي بن السلطان قلاوون سلطاناً على البلاد. وقد وافق موسى على الخطة ولكن المؤامرة وصلت إلى علم الناصر محمد بعد أن وشى بهم بيبرس الجمدار أحد المماليك المظفرية، وقبض على موسى و بتخاص ، وأمهل بكتمر الجكندار سنة ثم قبض عليه بتهمة محاولة الإستيلاء على الحكم، وأحل محله الأمير بيبرس الدوادار في نيابة السلطنة .
باع الناصر محمد وخبرته الطويلة مع الأمراء وألاعيبهم جعلته دائماً متيقظ ومترقب وشاك في كل صغيرة وكبيرة تصدر عنهم أو عن غيرهم، فكان إذا رأى بادرة خروج أو تمرد قضى عليها في الحال ، لدرجة أنه في عام 738هـ م / 1338م نفى الخليفة " المستكفي با لله " ذاته إلى قوص بحجة إستخدامه عبارة " يحضر أو يوكل " ( أي الناصر ) في مستند دعوى شرعية أقامها شخص ضد الناصر وكان الناصر لا يحب هذا الخليفة لمساندته لبيبرس الجاشنكير وتقليده السلطنة من قبل . ويذكر المقريزي أن الناصر :" كان فيه تؤدة، فإذا غضب على أحد من أمرائه أو كتابة أسر ذلك في نفسه، وتروى فيه مدة طويلة، وهو ينتظر له ذنباً يأخذه ". ويضيف : " حتى لا ينسب إلى ظلم ولا حيف، فإنه كان يعظم عليه أن يذكر عنه أنه ظالم أو جائر أو فيه حيف " .
محاربة الفساد
ببطء ولكن بنظام وحسابات دقيقة أمسك الناصر بزمام الأمور، وانتقم من الأمراء الذين أسأوا إليه وهو صغير والذين تأمروا عليه وهو كبير بعد عودته إلى مصر. وعمد إلى أخذهم بجرائرهم وليس بالظلم والتلفيق . قام الناصر بإلغاء بعض مناصب الدولة ومنها منصب الوزير في 713هـ / 1313م ، وصادر أموال أرباب الدولة الفاسدين الذين كونوا ثرواتهم من الرشاوي وإستغلال المناصب، وأبعد المغول الاويراتية عن مناصب الدولة، وألغى في 715هـ / 1315م المكوس الجائرة التي فرضها الأمراء ورجال الدولة على عامة الناس لإثراء أنفسهم وكان هذا جزء من سياسته للحد من نفوذ وقوة الأمراء ، وابطل الرشوة وعاقب عليها .
عين الناصر محمد الأمير ابن الوزيري رئيساً لدار العدل والأوقاف في سنة 713هـ، وكان الوزيري رجلاً أميناً ومعروف بكرهه للفساد والمفسدين وقد كثر الدعاء على الناصر بسببه . وكان الناصر يذهب بنفسه في كل يوم إثنين إلى دار العدل للإصغاء إلى شكاوي عامة الناس من أرباب الدولة والأمراء والموظفين . وأصدر قراراٌ يمنع النواب من معاقبة المتهمين والإساءة إليهم بدون تصريح منه . ومنع ضرب الناس بالمقارع . وأغلق جب القلعة الذي كان يستخدم سجناً وكانت له سمعة سيئة وتسكنه الخفافيش. في عام 714هـ / 1314م ألغى الناصر منصب نائب السلطان، وأحدث وظيفة " الناظر الخاص "، وفي عام 715هـ / 1315م أجرى الروك الناصري الذي أعاد توزيع الإقطاعات وحد من قوة الأمراء . وقد بلغ النظام الإداري في عهد الناصر محمد مبلغاً عظيماً في الدقة والتنسيق .
الموقف الداخلي والخارجي
في فترة حكم الناصر محمد الثالثة لم تشهد البلاد تهديدات خارجية وذلك بسبب ضعف الصليبيين والمغول نتيجة لهزائمهم المتكررة وخسائرهم الفادحة والتهائهم في صراعاتهم الداخلية. في سنة 1314م فتح سيف الدين تنكز نائب الناصر في الشام ملاطية وضمها للسلطنة ، وقامت قوات الناصر بغارات على مملكة كيليكيا ( مملكة اأرمينية الصغرى )، وفي سنة 716هـ / 1316م أغار المغول بجيش صغير على حلب ولكن تصدى لهم التركمان وقتلوهم، وأرسلوا أسراهم إلى القاهرة ، ولكن الأمور لم تتطور إلى حروب كبيرة.
أما في مصر فقد نشبت بعض الإضطرابات في الصعيد نتيجة لخروج العربان عن القانون وقطعهم الطريق إمتناعهم عن دفع الخراج، ولكن أمكن السيطرة عليها بسهولة . إلا انه في فبراير 1321م نشبت مشاحنات بين المسلمين والمسيحيين بعد أن أصيبت بعض الكنائس في نفس الوقت في أنحاء مختلفة من مصر بأضرار، وتبع ذلك نشوب حرائق في بعض المساجد والمباني بالقاهرة وقد أدت تلك الحرائق إلى نشوب حريق هائل. وقبض على بعض المسيحيين أثناء محاولتهم إضرام النار في بعض المباني والمساجد واعترف أحدهم أن البعض اجتمعوا و صنعوا خرق بها نفط وقطران ووزعوها على بعض الناس لإشعال الحرائق إنتقاماَ من الإعتداء على بعض الكنائس. وأمر الناصر بإستدعاء البطريرك الذي أدان ماحدث. وقبض على بعض المسلمين وعوقب مثيري الشغب من الطرفين . وقد أدت الهجمة الغربية الصليبية على بلاد المسلمين إلى إثارة الضغائن أحياناً بين المسلمين والمسيحيين المحليين في بلاد المسلمين.
على الرغم من انتعاش الإقتصاد المصري والرخاء الذي عم مصر إلا أنه حدثت بعض الاضطرابات المالية وإرتفاع في الأسعار نتيجة لظهور عملات مغشوشة وأخرى تحت الوزن القانوني (زغل) في الأسواق، مما أدى في سنة 724هـ / 1323م إلى توقف الناس عن أخذ النقود واغلاق الحوانيت. وتم التعامل بالنقود بالوزن وليس بالعدد. وقد واجه الناصر تلك المشكلة بطرح آلاف العملات في الأسواق لمحاربة العملات المغشوشة، وحددت اسعار جديدة لصرف الدينار
علاقة مصر بالعالم الخارجي
في عهد الناصر ارتفعت مكانة مصر في العالم الخارجي وسعت البلاد الإسلامية والمسيحية على السواء لخطب ودها، وأصبحت القاهرة قبلة للمتوددين والزوار من شتى الأرجاء. وخطب بإسم الناصر على منابر بغداد التي كانت في حوذة مغول فارس، ونقش اسمه على نقودها، كما خطب ملوك بني رسول في اليمن للناصر وأرسلوا له الهدايا. وخطب للناصر في دولة بني قرمان في أسيا الصغرى، وعلى منابر تونس وطرابلس الغرب وماردين، وقامت علاقات ودية بينه وبين ملوك الهند والصين وملوك غرب أفريقيا. وكان الناصر، ومن ألقابه خادم الحرمين الشريفين، يشرف على الحجاز وينصب أمراء مكة والمدينة. وفي عام 1322 عقد الملك الناصر إتفاقية سلام مع أبو سعيد إلخان مغول فارس .
وكثر وصول السفارات إلى مصر من ملوك أوروبا والعالم المسيحي فوصلت سفارات من بابا الكاثوليك، وملك فرنسا، وملك أرجونة، وإمبراطور القسطنطينية، وإمبراطور الحبشة وغيرهم .
في يونيو 1327م وصلت إلى القاهرة سفارة من بابا الكاثوليك جون الثاني والعشرين (John XXII) ومعهم هدية ورسالة من البابا يرجو فيها من الناصر حماية المزارات المسيحية في الأراض المقدسة ووقف الحملات على مملكة أرمينية الصغرى. وكانت هذه أول سفارة باباوية تفد إلى مصر منذ عهد السلطان الأيوبي الصالح أيوب . وفي عام 1330م أرسل فيليب السادس ملك فرنسا إلى القاهرة سفارة ضخمة قوامها 120رجل، طالباً من الناصر منحه بيت المقدس وبعض المناطق على ساحل الشام، فأهان الناصر رجال السفارة وملكهم، وقال لهم : " لولا أن الرسل لا يقتلون لضربت أعناقكم "، وطردهم مصر .
يقول ابن إياس عن الناصر : " خطب له في أماكن لم يخطب فيها لأحد من الملوك غيره، وكاتبه سائر الملوك من مسلم وكافر . ويذكر المقريزى عن الناصر في ذات الصدد : " ولم يعهد في أيام ملك قبله ما عهده في أيامه من مسالمة الأيام له، وعدم حركة الأعداء براً و بحراً وخضوع جميع الملوك له ومهاداتهم إياه " .
الحج
في عام 718هـ لحق الناصر محمد بـمحمل كسوة الكعبة إلى الحجاز للحج. ودخل مكة بتواضع وذلة ولما دخل الحرم كنس مكان الطواف ومسحه بيده، ورفض أن يطوف راكباً قائلاً : " ومن أنا حتى أتشبه بالنبي صلى ا لله عليه وسلم! وا لله لا طفت إلا كما يطوف الناس ". وأمر الحجاب بألا يمنعوا الناس من الطواف معه، فصارالحجاج يزاحمونه وهو يزاحمهم كواحد منهم في مدة طوافه وفي تقبيله الحجر الأسود. وغسل الكعبة بيده، وبالغ في إكرام الحجاج وأحسن إلى أهل الحرمين، وأبطل المكوس من الحرمين وأكثر من الصدقات . وبعد قضاء مناسك الحج توجه إلى المدينة المنورة ودخلها ماشياً وهو حافي القدمين، ووزع الأموال على الفقراء والمحتاجين. وفي طريق عودته إلى مصر توقف في خليص ليعاين توصيل المياه إلى بركتها حيث كان وهو في مكة قد أمر بملء بركتها بالماء وعين مال لذلك خدمة للحجيج الذين كانوا يجدون شدة من قلة الماء بها أثناء سفرهم .
المماليك في عهد الناصر محمد
بذل الملك الناصر للتجار وفير المال وسيرهم إلى العديد من البلدان لجلب المماليك والجواري. وكانت العادة قبل الناصر أن يسلم المملوك الجديد للطواشي، فيرتبه عند الفقيه ليتعلم الأداب والرمي بالنشاب ثم يترقى مع مرور الأيام ويتدرج في الجامكية ( راتب المملوك ) والمراكز وكان ذلك بحجة أنه بذلك يعرف مقدار قيمة مركزه الذي وصل إليه بكده وجهده. ولكن في عهد الناصر كان المملوك بمجرد وصوله إلى مصر يُنعم عليه بالملابس الفاخرة والحوائص الذهب والخيول والعطايا، وكان الناصر يفعل ذلك لأجل إبهار المملوك بحياته الجديدة وبأستاذه (الناصر) مما يؤدي إلى سرعة تأقلمه. وقد انتشرت في البلدان قصص إنعامات الناصر وعطاياه لمماليكه فكان الناس يبيعون أولادهم وبناتهم وأقاربهم لتجار الناصر كي ينعموا برغد العيش في مصر. و قد بلغ عدد مماليك الناصر اثنى عشر ألف مملوك، ومع ذلك، يشير المقريزي، فإن الناصر كان يعرف كل مماليكه ومماليك أبيه قلاوون وأولادهم بأسمائهم. أما الجواري فقد وصل عددهن في بلاط الناصر إلى نحو ألف ومائتي وصيفة.
وشغف الناصر أيضاً بتربية الحيوانات والطيور، خاصة الخيول العربية وكانت له معرفة واسعة بالخيل وأنسابها ويعرف أسمائها ومتى اشتراها. وكان عنده يوم وفاته نحو ثلاثة آلاف فرس، ومائة وعشرين سنقراً، و ثمانين جوقة كلب صيد، ونحو ثلاثين ألف من الغنم، وأعداد كبيرة من الإوز .
ومع ذلك، على الرغم من المكانة و كل مظاهر الثراء والرخاء، كان الناصر مقتصداً في لباسه ولا يتزين بالذهب أو الجواهر. ووصف بأنه كان على غاية الحشمة ورياسة النفس لا ينطق بفاحش الكلام في شدة غضبه ولا في انبساطه، ويخاطب الناس بلطف واحترام ، وكان يكره الخمر ويبعد عن بلاطه الأمراء الذين يحتسونه .
كان الملك الناصر مولع بالعمارة وينفق عليها ببذخ، وفي فترة حكمه الثالثة شيد في مصر مالم يشيده أي سلطان أخر، وتحولت القرى إلى مدن منفردة .أعاد حفر خليج الأسكندرية، وأنشأ البساتين ومزارع قصب السكر على ضفتيه، وأنشأ الميدان تحت القلعة وغرس فيه النخل والأشجار، وأنشأ الميدان الكبير على نيل القاهرة وزرع فيه اشجار الفاكهة. وعمر الخانكاة بناحية سرياقوس، و حفر الخليج الناصري خارج القاهرة حتى أوصله بسرياقس وعمره بالقناطر. وشيد الجسور ومد الترع وأحيا الأراضي في كل أنحاء مصر، وجدد نحو ثلاثين جامع قديم منها الجامع الناصري بالقلعة وجامع المشهد النفيسي . وكانت أغلب عمائره من الحجارة لأنه كان يخشى عليها من الحريق . في عهد الملك الناصر بلغت دولة المماليك البحرية أوج قوتها داخلياً وذروة عظمتها دولياً، ونعمت مصر فيه بالهدوء والإستقرار .
وفاته
في يوم العيد عام 741هـ أحس الناصر بالمرض ولكنه تحامل على نفسه وخرج لصلاة العيد وطلب من قاضي القضاة " عز الدين بن جماعة " أن يوجز في خطبته. ثم صلى وغادر المسجد إلى القلعة قبل إنتهاء الخطبة. وفي اليوم التالي طلب ابنه " أبا بكر " وعهد إليه السلطنة من بعده وأوصاه بالأمراء وأوصى الأمراء به، وحلف الأمراء والخاصكية. وبعد يومين، يوم الخميس 20 ذي الحجة سنة 741هـ، توفى الملك الناصر وهو في نحو الثامنة والخمسين بعد أن حكم البلاد ثلاث واربعون سنة وثمانية أشهر وتسعة ايام ، من ضمنها نحو اثنين وثلاثين سنة في فترة ولايته الثالثة، ودفن بعد العشاء مع أبيه قلاوون في القبة المنصورية بالقاهرة وحزن الناس حزناً كبيراً عليه .
ترك السلطان الناصر 14 ولداً وسبع بنات. ولي السلطنه ثمانية من أولاده من 1341 إلى 1361م، وهم: المنصور أبو بكر، والأشرف كجك، والناصر أحمد ، و الصالح إسماعيل، والكامل شعبان، والمظفر حاجي، والناصر حسن، والصالح صالح. ومن أحفاده أربعة من 1361 إلى 1382م، وهم: المنصور محمد، والأشرف شعبان، والمنصور علي، والصالح حاجي .
إتفق المؤرخون المسلمون على مكانة الملك الناصر، فيقول المقريزي عنه : " كان الناصر أطول ملوك زمانه عمراً وأعظمهم مهابة " . ويصفه الجبرتي بأنه : " كان ملكاً عظيماً جليلا كفؤا للسلطنة ذا دهاء محباً للعدل والعمارة، وطابت مدته وشاع ذكره وطار صيته في الأفاق وهابته الأسود وخطب له في بلاد بعيدة ". ويقول ابن إياس عنه : " لم يل من أبناء الملوك قاطبة مُلك مصر أعظم من الملك الناصر محمد".
بعض أثاره ومنشآته
المدرسة الناصرية - القاهرة: بدأ انشائها في عهد السلطان العادل كتبغا بجوار القبة المنصورية ، وأكملها الناصر محمد واضاف مئذنتها في عام 703هـ / 1303 في فترة حكمه الثانية. كانت من أجمل مباني القاهرة، وكانت بها خزانة كتب جليلة. بسبب التاريخ المنحوت عليها والذي يشير إلى عهد كتبغا، يبدو أن الناصر وضع إسمه محل اسم كتبغا. وجهتها تضم بوابة من الرخام الأبيض البديع على الطراز القوطي ، لأن البوابة قام الأمير سنجر الشجاعي بنقلها إلى القاهرة من احدى كنائس عكا بعد أن فتحها الأشرف خليل (1291). محراب المدرسة له ملامح هندسية مغولية. كانت المذاهب الأربعة تدرس في المدرسة. نقل الناصر جثمان أمه إليها ولكن الناصر محمد لم يدفن فيها. قائمة حتى الآن في شارع بين القصرين.
خانقاه سرياقوس - شمال القاهرة: تعرف أيضاً بخانقاه الصرفية. بدأ الناصر في تشييدها في عام 723هـ / 1323م وافتتحها في عام 725هـ / 1325م في فترة حكمه الثالثة كمنتجع ومنطقة ترويحية ومركزاً للصوفية بها مائة خلوة لمائة صوفي ( الناصر كان من مشجعي الصوفية ). نمت المنطقة في السنوات التالية وصارت بلدة يقام بها سوق كبير كل يوم جمعة، ومنطقة ترويحية بها حدائق ومتنزهات و قصور وحمامات . قيل فيها: " سر نحو سرياقوس وانزل بفنا * أرجائها ياذا النهي والرشد. تلق محلاً للسرور والهنا * فيه مقام للتقى والذهد " . موجودة اليوم كقرية تعرف بإسم " الخنكاه " ولكن غير موجودة كمنتجع.
جامع الناصر محمد - القاهرة: : جامع ملكي بديع شيده الناصر بالقلعة (735هـ / 1335م) في فترة حكمه الثالثة، بعد إزالة المسجد الأيوبي القديم حيث كان سلاطين مصر يقيمون الصلاة. مساحته نحو (57.6 × 60 متراً). أعمدته نقلت من المعابد المصرية القديمة بـالأشمونين بصعيد مصر . تعد مآذنتاه من المآذن الفريدة والبديعة في القاهرة المملوكية. كان يواجهه الإيوان الكبير (718هـ / 1318م) والقصر الأبلق (718هـ / 1318م). المسجد لايزال قائماً جوار مسجد محمد علي بقلعة القاهرة .
الخليج الناصري: قناة حفرت في سنة 1326م لري المنطقة المحيطة بالقناة، ولنقل الاحتياجات والبضائع إلى سرياقوس.
القصر الأبلق - القاهرة: شيد في 713هـ ، كان يشرف علي الميدان الكبير، كانت واجهته مكونة من أشرطة حجرية عريضة متوازية ذات لون أسود أو أصفر ولهذا سمى بالأبلق. - غير موجود الآن.
الإيوان الكبير - القاهرة: عرف أيضاً بالإيوان الأشرفي، كان قد بناه والده المنصور وجدده أخوه الأشرف خليل. فقام الناصر بتجديده، وأنشأ به قبة عظيمة، ونصب في صدره التخت السلطاني وكان مصنوعاً من العاج والأبنوس. كان موقع الإيوان حيث يقوم الآن مسجد محمد علي في قلعة القاهرة.
الميدان الناصري - القاهرة: كان موضعاً قديماً غامراً بمياه النيل بين مصر والقاهرة، حوله الناصر إلى ميدان وغرس فيه الأشجار وافتتحه في سنة 718هـ / 1318م في فترة حكمه الثالثة. كانت تقام به عروض الخيل بالأزياء الفاخرة ( كان الناصر شغفاً بتربية الخيول ). موقعه الآن حي جاردن سيتي بالقاهرة.
خليج الأسكندرية: أعاد الناصر حفر خليج الأسكندرية، وكانت الرمال قد طمرته وتعطلت الملاحة به، أدت إعادة حفر الخليج إلى نمو النشاط التجاري بالأسكندرية وازدياد العمران بها، بالاضافة إلى نمو الزراعة على ضفتي الخليج بينها وبين النيل .
رنكاته وعملاته
رنكات : من ضمنها الصقر، الوردة، البقجة (رنك خاص بـ " الجمدار " أي حامل الملابس وربما كانت علامة سلطانية خاصة بدار سك العملة.
فترة الحكم الأولى : غير معروف.
فترة الحكم الثانية : نقشت الأسماء والألقاب التالية على عملاته: " السلطان الملك الناصر ناصر ناصر الدنيا والدين ". كما نقش لقب والده قلاوون : " الملك المنصور ".
فترة الحكم الثالثة : أهم ما يلاحظ على نقود السلطان الناصر في فترة ولايته الثالثة ظهور تضرعين هما : " عز نصره " و " خلد ملكه وسلطانه ". كما ظهر لأول مرة لقب جديد وهو : " السلطان الأعظم الملك ".
الأسماء والألقاب : " السلطان الملك الناصر ناصر الدنيا والدين " ، " السلطان الملك " ، " السلطان الأعظم الملك " ، " السلطان الملك ناصر الدنيا والدين قسيم أمير المؤمنين " ، " الملك " ، " ناصر الدين ". وأمير المؤمنين هو الخليفة العباسي المقيم بالقاهرة.
كما نقش اسم والده قلاوون كالتالي : " الملك المنصور " ، " الملك المنصور الصالحي " ، " أمير المؤمنين " ، " الملك المنصور سيف الدين " ، ولقب " سيف الدين " يعد فريداً حيث كانت العادة أن يطلق اللقب المضاف إلى " الدنيا " أو " الدين " على السلطان القائم وليس المتوفي .