بسم الله الرحمن الرحيم
قبيلة بكر بن وائل كانت تشكل التكتل الربعي الرئيس في الجاهلةي وحتى عصر صدر الاسلام ، وكثيرا ماتوصف بالكتب باسم ( ربيعة) لانها كانت الاصل الذي انفصلت عنه فروع ربعية اخرى بزعامات مستقلة كان ابرزها : بني حنيفة وتغلب وعبد القيس .
ستنتاول في هذا المقال كيفية اسلام قبيلة بكر بن وائل ووفدهم الذي بعثوه الى الرسول صلى الله عليه وسلم ثم ردتهم عن الاسلام في عهد ابي بكر الصديق ، ولابد من التنويه الى أن - بني حنيفة ومعها بطن ربعي يقال لهم بني مازن - ليسو مقصودين هنا اذل لم يكونوا في عداد بكر بن وائل تلك الحقبة .
وفد قبيلة بكر الى رسول الله صلى الله عليه وسلم
بدأ تاريخ الاسلام الحقيقي بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم الى المدينة المنورة سنة 622م ، ومعه مجموعة مسلمة عرفو تاريخياً بأسم ( المهاجرين ) بينما عرف الأوس والخزرج وهم مناصري الرسول من اهل المدينة وعرفو باسم ( الأنصار) ..وعرف الجميع باسم صحابة الرسول صلى الله عليه وسلم
كانت هجرة الرسول الى المدينة المنورة حدثاً غير عادي في تاريخ جزيرة العرب والعرب ككل ، بل على مستوى العالم كله ، ففيه تأكد أن دولة ما ستنشأ في جزيرة العرب ، ولم تعد مجرد نبوة عابد ، خاصة عندما بدأ الرسول بتكوين مجتمع متماسك من المسلمين داخل المدينة المنورة ومن ثم الانطلاق نحو القرشيين بمكة وتهديد تجارتهم وعلاقتهم مع القوى الاخرى في جزيرة العرب ، ومنها علاقة مكة وقريش بقبائل ربيعة التي كانت تعتبر من اقوى قبائل العرب ..
وجاء الوفد البكري أو وفد ( ربيعة ) كما اطلق عليه بعض المؤرخين نظراً لشموله قبائل ربعية داخلة في بكر منذ زمن البسوس ، وهم بنو عنزة بن أسد وضبيعة بن ربيعة ، فكانت قبائل بكر بن وائل تنقسم على عهد الرسول الى جذمين هم : اللهازم وتضم عنزة وقيس بن ثعلبة وتيم الله وعجل ، والقسم الثاني من بكر يقال له الذهلان وهم : يشكر وشيبان وبنو ضبيعة بن ربيعة .. جاء هولاء الى المدينة المنور معلنين اسلامهم .
كانت قبائل بكر قبل ذلك بن وائل بدوية تتنقل بين اليمامة والعراق والبحرين ، وهم في صراع مع تميم على مناهل المياه في تلك النواحي ، وقد جاء خبر انتصارهم على الفرس في موقعة ذي قار الى الرسول وفرح به فرحاً شديداً كونه انتصار للعرب ككل وقد اشرنا الى ذلك ..
وبصرف النظر عن شهرة قبائل بكر ومدح الرسول لهم على ذي قار ، الا أن اسلامهم جاء طاعة لحكم حاكم قائم فرضه الواقع ، ولم يكن وفدهم الى رسول الله وفد مصدق ومؤمن بدعوة اسلامية قوامها الايمان بالله رباً وبمحمد نبياً ، فقد جاء الوفد البكري بعد معركة الشيطين بين بكر وتميم ، حيث قرر البكريون أن يحاربو تميم ويقتلوهم ثم يعتنقون الاسلام تهرباً من الديات والقصاص التي سيلزمهم بها الاسلام لو قاتلوا تميم وهم مسلمون ، كما تمكنهم هذه الحيلة السياسية من اتقاء شر انتقام بني تميم باعتبار أن الاسلام يجب ماقبه .
قام البكريون بارسال وفد اشتمل على عدد من شخصياتهم الهامة في تلك الحقبة ..
ويشير ابن الاثير المؤرخ في مصنفه ( اسد الغابة في معرفة الصحابة) الى أن يزيد بن ظبيان البكري قد شهد مع الرسول غزوة حنين ، وقام الرسول بايفاد يزيد الى قومه في اليمامة ليعلمهم القرآن ويقرأ لهم الكتاب ، فلم يجد فيهم من يقرأ الا رجلاً من ضبيعة بن ربيعة وقيل لأعقاب هذا الرجل بعد ذلك بنو القاريء .
*خبر ألأعشى الشاعر البكري مع رسول الله
هناك العديد من الشعراء يلقبون بالاعشى ، والمقصود هنا هو الشاعر ميمون بن قيس من قيس بن ثعلبة من اللهازم من بكر ، وهو شاعر مخضرم مشهور ، عاصر الرسول صلى الله عليه وسلم ..
ويبدو أن ميمون بن قيس قد اعجب برسول الله اعجاباً شخصياً ، فقد سبق قومه ووفدهم الذي اوفدوه الى السول واعلنوا بموجبه اسلامهم ، فمدح الرسول بقصيدة طويلة نقلها ابن هشام صاحب السيرة النبوية ويظهر فيها ايمانه بنبوة الرسول مما يعني تصديقه بالدعوة فمما قاله :
أيهذا السـائلـي أين يمـمـت =فإن لها في أهل يثرب مـوعـدا
الى أن قال :
أجدك لم تسمع وصاة مـحـمـد=نبى الإله حيث أوصى وأشـهـدا
إذا أنت لم ترحل بزاد من التقـى=ولا قيت بعد الموت من قد تزودا
قال ابن هشام :
" فلما كان بمكة أو قريبا منها اعترضه بعض المشركين من قريش ، فسألوه عن أمره ، فأخبرههم أنه جاء يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسلم ، فقالوا له : يا أبا بصير إنه يحرم الزنا ! فقال الأعشى : والله إن ذلك الأمر مالي فيه من أرب ! فقالوا له : يا أبا بصير ! فإنه يحرم الخمر ! فقال الأعشى : أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات ! ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأسلم ، فانصرف فمات في عامه ذلك ولم يعد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " أ.هـ
اذن يكون اعشى قيس مات على الكفر ولم يسلم ، رغبة في الخمر التي فضل أن يستمر عليها عاماً آخر ثم يقلع ولكن الموت عاجله وسبحان مدبر الاقدار.
عهد ابي بكرٍ الصديق وردة قبائل ربيعة ( 11هـ - 13هـ )
سنتحدث هنا عن ردة قبيلة بكر بن وائل ( اللهازم والذهلين ) وكان يطلق عليهم ربيعة ، علما بأن ردة قبائل ربعية اخرى مثل بني حنيفة حدثت بشكل مستقل وتحت زعامات مستقلة .
مر معنا الوفد الذي ارسله بني بكر الى الرسول صلى الله عليه وسلم ، ومر معنا ان قبائل بكر لم يسلموا الا بعد معركة الشيطين مع تميم والتي هي محسوبة على الفترة الجاهلية .
في تلك الفترة وصل الى سدة الزعامة في بكر أحد فرسانها واسمه شريح بن ضبيعة ، وقد استطاع ان يصل بغزواته الى قبائل اليمن ، وكان شاعر بكر في تلك الفترة هو رشيد بن رميض العنزي وقد مدح شريح بن ضبيعة فكان مما قاله :
هذا أوان الشد فاشتـدي زيم=قد لفها الليل بسواق حطـم
ليس براعي إبل ولا غـنـم=ولا بجزار على ظهر وضم
وقد لقب شريح هذا وبعد ابيات رشيد العنزي المذكورة بلقب ( الحطم ) واشتهر امره في جزيرة العرب ، وهو قائد قبائل بكر بن وائل في ردتهم عن الاسلام التي هي موضوعنا .
ولما مات الرسول صلى الله عليه وسلم خرج الحطم يقود قبائل بكر بن وائل ، واظهر الردة والكفر .
ويظهر من خلا الاستقراء التاريخي لردة قبائل بكر انهم قد عولوا على قوتهم ، وتأييد قبائل ربيعة الاخرى لهم ، فعبد القيس بن افصى كانت جماهيرها قد اظهرت الردة وهم ببلاد البحرين .
اختار الحطم ان لايصطدم بالمسلمين وان يمارس ردته بهدوء ، فجمع قبائله واتجه بهم الى البحرين لينضم لمرتدي ابناء عمهم بني عبد القيس هناك .
والذي يبدوا ان الحطم لم يكن ينوي قتال المسلمين ابدا ، وفي نفس الوقت هو يجب ان يكون حذرا لان الاخبار تواترت على نية ابي بكر جمع الناس على الاسلام كما كان الامر ايام الرسول .
غير ان امراً حدث لم يكن بحسبان الحطم وقبائله ، وهي ان بني عبد القيس اقنعهم زعيمهم بالعودة للأسلام ، فطاوعوه على ذلك وخالفوا الحطم وقبائله ، فاظطر الحطم ان يواجههم ويحاصرهم في بلدة جواثا قرب القطيف .
ولم يكن بنية ابي بكر الصديق على مايبدوا ارسال اية حملة الى قبائل بكر لحملها على الاسلام ، غير ان الحصار الذي ضربه الحطم على عبد القيس كان شديدا فجعل احد شعرائهم يوفد الى ابي بكر قصيدة يطلبه النصرة :
ألا أبلغ أبـا بـكـر رسـولاً=وفتيان المدينة أجـمـعـينـا
فهل لكـم إلـى قـوم كـرام=قعود في جؤاثى محصرينا !
فأرسل ابو بكر حملة عسكرية بقيادة أبو بكر العلاء بن الحضرمي ، ومعه من المسلمين ثمامة بن أثال ومسلمة بني حنيفة الذي لم يرتدوا .
وكانت الحملة التي قادها العلاء الحضرمي تواجه صعوبة شديدة ، ولعلها اكبر حملة عسكرية في عهد ابي بكر الصديق ، وزاد من صعوبتها أن المسلمين لما قطعوا صحراء الدهناء في طريقهم الى البحرين نفرت رواحلهم ليلاً بما عليها من ماء وطعام وانعكس هذا على معنويات الجنود المسلمين مما جعل العلاء الحضرمي يجمعهم ويخطب فيهم قائلاً:
ما هذا الذي ظهر فيكم وغلب عليكم ؟ فقال الناس : وكيف نلام ونحن إن بلغنا غداً لم تحم شمسه حتى نصير حديثاً ! فقال : أيها الناس ؛ لا تراعوا ، ألستم مسلمين ! ألستم في سبيل الله ! ألستم أنصار الله ! قالوا : بلى ، قال : فأبشروا ؛ فواله لا يخذل الله من كان في مثل حالكم .
ثم جمع العلاء الفرسان وصلوا ودعو الله في تلك الليلة العصيبة ، فمن الله عليهم بعد ان رأو سرابا واتجهوا اليه فاذا ابلهم ورواحلهم هاهي بما عليها من ماء وطعام .
بعد هذه المعجزة التي ظهرت للمسلمين في صحراء الدهناء ، اكملوا مسيرتهم نحو مرتدي بكر بن وائل في جواثا .
فلما وصلوا الى هناك وجدوا قبائل بكر وقد حفروا خندقاً ، وعسكر العلاء بجنوده في الجهة المقابلة ، واخذا الطرفان يتناوخان شهرا كاملاً دون نتيجة تذكر او تسجل لأي من الطرفين .
وفي أحدى ليلي الحصار سمع المسلمون اصواتاً عالية من جهة العدو ، فقرر العلاء أن يرسل مخبراً سرياً اليهم ويستطلع احوالهم وياتي بخبرهم وسر الضوضاء الآتية من معسكرهم .
ووقع اختيار العلاء الحضرمي على عبد الله بن حذف ليقوم بدور الجاسوس على قبائل بكر ، وخاصة ان البكريين يعرفونه لأن امه من بني عجل من اللهازم .
اتجه عبد الله بن حذف الى المعسكر البكري لينفذ مهمته التجسسية ، فلما وصل الى المعسكر البكري استقبله الحطم زعيم بكر وسأله : من أنت ؟
فقال الحطم وقد تظاهر انه ينتخي بهم ضد الحطم :
لا أضيعن الليلة بين اللهازم ! علام أقتل وحولي عساكر من عجل وتيم اللات وقيس وعنزة ! أيتلاعب بي الحطم ونزاع القبائل وأنتم شهود !؟
فقال له الحطم :
والله إني لأظنك بئس ابن الأخت لأخوالك الليلة ! فقال عبد الله بن الحذف : دعني من هذا وأطمعني ؛ فإني قد مت جوعاً.
فقرب له طعاماً ؛ فأكل ثم قال : زودني واحملني وجوزني ، ففعل وحمله على بعير ، وزوده وجوزه ؛ وخرج عبد الله بن حذف حتى دخل عسكر المسلمينمرة اخرى ، فأخبرهم أن القوم سكارى ، وليست الحرب والمناوخة في رؤوسهم .أ.هـ
( تاريخ الطبري )
ولم علم الحطم بذلك قرر اقتحام معسكرهم وهم في حالتهم هذه ، وكان ذلك الامر ووقع فرسان بكر بين قتيل وجريح بما فيهم الحطم الذي قتل .
وكان مع المسلمين في ذلك اليوم قيس بن عاصم التميمي عدو بكر منذ الجاهلية ، ومعهم ايضا ثمامة بن أثال الحنفي ، وقد تقاسم هولاء الغنائم التي اخذها المسلمون من قبائل بكر .
نتج عن هذه الهزيمة الشنيعة لقبيلة بكر ان استسلم اللهازم ( عنزة وتيم ) للمسلمين ، بينما استمر بنوا الذهلان ( شيبان وضبيعة ) في امر الردة وهربوا الى البحر وركبوا سفنا اقلتهم الى احدى الجزر في الخليج العربي ، وكان هناك من اللهازم من لازالوا يبطنون الكفر ويتمردون او يهربون من الاسر ، ومنهم أعداد بسيطة تمكنت من الهرب وبدأت بحرب عصابات ضد المسلمين ، ومنها ان قام افراد من اللهازم بقتل الصحابي الجليل ثمامة بن أثال انتقاما منه لمشاركته الغزو ضدهم .
ونتيجة لهذا الموقف امر العلاء الحضرمي كل من مسمع الجحدري و المثنى بن حارثة ( وكانو من القلائل الصادقين على اسلامهم ) امرهم بلزوم اللهازم وان يضمنوا عدم تسرب أي منهم في الطرقات ، ونجح مسمع والمثنى بن الحارثة على اعادة تنظيم اللهازم تنظيما رائعا وجعلوهم ورقة رابحة في يد العلاء الحضرمي .
اما بقية بكر وهم الذهلان ركب اليهم العلاء الحضرمي ، وعبر الماء الى الجزيرة التي نزل فيها المرتدين ، وصاولهم وقاتهلم حتى انتهى الامر الى هزيمتهم وعاد العلاء ظافرا وقد انهى شوكة قبائل بكر المرتدة واعادها الى حظيرة الاسلام .
ولما عاد العلاء من حملته في البحر وجد ان اللهازم قد اجمعوا على نصره ونصر الاسلام بتأثير من الزعيمين الكبار المثنى بن حارثة ومسمع الجحدري .
وقد حاول مفروق الشيباني أن يعيد الكرة على العلاء الحضرمي والمسلمين ، فكان أن جمع جموعا من بكر قليلة العدد ، ولكن بني تغلب والنمر قد ارسلو لهم مددا من الجزيرة الفراتية ، وبدلاً من مواجهتهم اختار العلاء ان يقوم الللهازم البكريون بمواجة مفروق هذا بمن معه من ربيعة ، لتصبح المواجهة ربعية ربعية ، ويبدوا ان هذا كان اختبارا من العلاء لصدق ولاء اللهازم للمسلمين وللأسلام ، وعندما وجد مفروق انه سيواجه ابناء عمه رأى السلم افضل ، فتفرق جمعه وانتهت بذلك قصة الردة لقبيلة بكر بن وائل الذي اختاروا الاسلام بصدق هذه المرة .
وقد اصبح مسمع الجحدري زعيما لبكر بعد ان عادت لحظيرة الاسلام ، وتوارثت ذريته الزعامة من بعده وعرفوا بالمسامعة واصبح لهم شأن في مراحل تاريخ بكر اللاحقة ، بينما اصبح المثنى بن حارثة احد ابرز فرسان بكر المسلمين ، اذا اصبحت قبيلة بكر عونا للمسلمين في فتوحاتهم .V!-- google_ad_section_start --Cf;v fk ,hzg ,hujkhr hghsghl el hgv]mV!-- google_ad_section_end --C
V!-- google_ad_section_start --Cf;v fk ,hzg ,hujkhr hghsghl el hgv]mV!-- google_ad_section_end --C f;v fk ,hzg ,hujkhr hghsghl el hgv]m